كيف حولت إسرائيل غزة لأكبر حقل تجارب في العالم
قبل أن يأخذك التساؤل لمعرفة ماهية عنوان التقرير والفضول لفهم ما سيقال هنا، أريدك أن تخلي عقلك قليلًا وتتخيل أحد أحياء القاهرة، لنقل (شبرا) مثلًا أو (مدينة نصر)، تحاصره فرق بأكملها من الجيش الأمريكي، هذه الفرق كل أربع أو خمس سنوات تدخل في حرب مع أهالي الحي، وأثناء هذه الحرب تجرب فيهم كل الأسلحة الجديدة التي تم إنتاجها في سنوات الهدنة وتسبب للأهالي المصريين إصابات مخيفة وغير قابلة للشفاء الكامل في معظمها.
إنها قصة تشبه فيلمًا مصريًّا رديئًا وخيالية بالنسبة لك، حسنًا، هذه القصة تحدث بنصها الرديء على الحدود، مع تغيير الحي القاهري الخيالي المفترض لمساحة حقيقية صغيرة من الأرض يسكنها مليون ونصف إنسان على الأقل، ولجيش آخر غير الجيش الأمريكي، تحدث القصة الحقيقية في (غزة)، وعلى يد (الجيش الإسرائيلي)!
عندما شاهد الجراح البريطاني المتقاعد الشهير (ديفيد هالبين David Halpin) – الذي زار القطاع أكثر من مرة- الكثير من الإصابات غير المألوفة قال إن ما يخشاه هو أن يكون إحداث أكبر قدر من التشويه لسكان غزة من ضمن أهداف إسرائيل الرئيسية لإنتاج أكبر قدر من الرعب على أمل أن ينقلبوا على حركة حماس ولنشر ثقافة الكراهية لها وتحميلها مسئولية ما يحدث لهم.
لنمزقهم بلا رحمــة!
تمتلك تل أبيب أحد أسوأ تواريخ الإبادة الجماعية المتعمدة بداعي اختبار الأسلحة، مثلًا بالرجوع إلى حرب الرصاص المصبوب في 2008 (“الفرقان” كما أطلقت عليها المقاومة الفلسطينية) وقبلها حرب تموز في 2006 في الجنوب اللبناني، فإن جيش الاحتلال تعمد استخدام أحد أكثر أنواع الأسلحة التقليدية فتكًا فقط لتجربته؛ مما أدى لسقوط الآلاف من المدنيين بين قتلى ومصابين ممزقين.
(DIME) أو متفجرات الفلز الخامل الكثيف (بترجمتها الحرفية)، السلاح القبيح الذي ولد في معامل سلاح الجو الأمريكي للتعامل مع تأثير الانفجارات العادية واسع المساحة، احتاج الأمريكيون في العراق إلى السيطرة على مدى أي انفجار للتحكم في الأضرار غير المحسوبة مع ضمان أكبر تأثير تدميري ممكن، فكانت متفجرات الفلز المجهرية هي النتيجة!
ما يمكن قوله هنا إنه أحد أبشع ما أنتجته القريحة الأمريكية وطوره الإسرائيليون ببراعة كالعادة، قنبلة مكونة من غلاف كربوني خفيف، مع مواد متفجرة مثل الـ HMX أو الـ RDX، والأهم هو مسحوق كثيف من الجسيمات الدقيقة، هذا المسحوق مكون غالبًا من مادة التنجستن Tungsten وهي أحد الفلزات الثقيلة مع ثنائي من (نيكل & كوبلت) أو (نيكل & حديد).
عندما أراد مطورو الأسلحة في الولايات المتحدة صنع القنبلة وضعوا أمامهم تطوير سلاح فتاك في مدى مكاني قليل، مع تقليل المساحة تقل أضرار المنشآت وبالتالي تنقل الصورة في الإعلام أنهم لا يقصفون إلا أوكار الإرهابيين، لكنهم حرصوا على أن تكون قوية بما يكفى لتمزيق كل من يقع في محيط انفجارها، لذلك عندما تنفجر يتحول المسحوق الكثيف إلى شظايا مجهرية، المشكلة أن الشظايا ليست معدنية وإنما كيميائية ولذلك عندما تخترق الجسم البشري تذوب ثم تبدأ في إذابة مكان الإصابة وما حوله وتنتشر حسب كميتها؛ مما يسبب ضررًا كبيرًا لأنسجة الجسم، فضلًا عن أن التنجستن مادة سرطانية بامتياز؛ مما يسبب أضرارًا بيولوجية عنيفة للمصابين والتي أثبتت الدراسات أنهم يصابون على الأغلب بنوع نادر من سرطان الأنسجة، وهؤلاء هم الأوفر حظًّا لأن كل من هو في دائرة قطرها الانفجاري لا يموت فقط وإنما يمزق حرفيًّا ويسلخ بفعل المسحوق، أما الغلاف نفسه فقط صنع من الألياف الكربونية لكي لا يحجز جزءًا من طاقة الانفجار فتحتفظ الشظايا به مما يؤدي إلى تسارعها واختراقها للأجسام، وأيضًا لأنه عند الانفجار يتحول لغبار سام يقتل من يستنشقه على عكس الأغلفة المعدنية للقنابل!
في 2008، قتلت إسرائيل بالقنابل الفلزية أكثر من 1400 فلسطيني منهم 352 طفلًا وطفلة، في 2014 تخطى العدد (رسميًّا) 2000 بينهم أكثر من 500 طفل مع إصابة عشرات الآلاف بجروح غير قابلة للشفاء التام، ما يتواتر أن إسرائيل حصلت طوال الست سنوات على الضوء الأخضر من البنتاجون لتطوير الـ Dime وتجربته كلما أمكن على مدنيين فلسطينيين للوقوف على آثاره، وهي معلومة وإن كانت غير مؤكدة بالطبع لكنها ليست بالمستغربة أو القابلة للتشكيك الكبير لو عرفنا أن أول من استخدم القنابل الفلزية هي الولايات المتحدة نفسها في العراق والأجيال الأولى من المتفجرات كانت تسلخ الجنود العراقيين أثناء الغزو في 2003!
